المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في الذكرى التاسعة لرحيل العلاّمة البروفيسور عبد الله الطيب


عمر الشيخ محمد حسن
21-06-12, 01:03 AM
http://www.alsahafa.sd/imagesgallary/14614.jpg


الصحافة : بروفيسور / عبد الرحيم محمد خبير / عميد كلية الآداب بجامعة بحري

تمر علينا هذه الأيام الذكرى التاسعة فى 19 / 06 / 2003 م لرحيل شيخ علماء العربية البروفيسور الممتاز «Professor Emeritus» عبد اللّه الطيب المجذوب . ولهذا العلاّمة أسفار جياد لا أزعم دراية كافية بها ، فهي معروفة ومتدارسة بين أهل الاختصاص في اللغة والأدب والتاريخ « أبرزها المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها ، الحماسة الصغرى ، من نافذة القطار ، الأحاجي السودانية ، حقيبة الذكريات وبين النير والنور » ، فضلاً عن دواوين أشعار ثلاثة هي :
« أغاني الأصيل ، أصداء النيل وبانات رامة » .
بيد أن ما أسطره هنا لا يعدو أن يكون حزمة خواطر وذكريات تلميذ تتداعى دونما ترتيب مسبق في المخيلة لعبقري الأدب العربي عبد اللّه الطيب ، كاشفة عن إحدى الفترات الزاهية لكلية الآداب بجامعة الخرطوم التي كانت في نظره « هى الجامعة وما عداها حرف ومهن » .

ذكريات الدراسة بالجامعة :

قيّض لثلة من أبناء جيلي الإنتظام في الدراسة الجامعية طلاباً بجامعة الخرطوم في النصف الأول من سبعينيات القرن المنصرم . وكانت جامعة الخرطوم آنذاك تعجُ بالنجوم الزواهر من أهل الفكر والأدب . وكان وآسطة العقد بين هذه الكوآكب النيّرة من الأساتيذ عبد اللّه الطيب المجذوب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، فقد كان علماً باذخاً ، فريد عصره وعبقري زمانه وحبراً لا يُجارى في الإنسانيات « اللغة والأدب » .
وكان لدفعتنا شرف التتلمُذ عليه كفاحاً والنهل من معين علمه الفياض ، فكانت دفعتنا هي الأخيرة التي درّسها العالم الراحل بالسنة الأولى في مرحلة البكالريوس « 1972 ــ 1973م » إبان عمادته الثالثة لكلية الآداب ، حيث انصرف بعدها للعمل الإداري مديراً لجامعة الخرطوم « 1974 ــ 1976م » ، ومن ثم مديراً لجامعة جوبا « 197 6 ــ 1977م » قبل أن ينتقل أستاذاً للغة العربية وعلومها في جامعة سيدي محمد بن عبد اللّه في المملكة المغربية .

أسلوب عبد الله الطيب في التدريس :

لا تزال الذاكرة تختزن نثار صورة نضرة لهذا العبقري الفرد ، إذ كنا نهرع نحو محاضرة الصباح في القاعة « 102 » والتي تشرفت اليوم بإسمه لنستمع لأحاديثه الشيقة عن الشعر الجاهلي .
ولعل من اللآفت للإنتباه وقتها أن جميع الطلاب كانوا يحرصون أيما حرص على الحضور ، فيندر أن يتغيب طالب ، بل إن العديد من طلاب الكليات الأخرى في الجامعة كانوا يتدافعون بالمناكب ، يُزاحموننا مقاعد المدرجات ، والكل في شوق لسماع البروف وهو يجوس بنا منتديات الأدب في العصر الجاهلي « عكاظ ، ذو المجنة ، ذو المجاز ودارة جلجل » مُحدثاً حديث العارف المُستبطن عن أشعار العرب وأيامهم شارحاً وناقداً ومقارناً ، وكيف أن النقاد الجاهليين كانوا على رأى مؤآده أن « أشعر الناس إمرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب وزهير إذا رغب » . وكانت الإبتسامة لا تُفارق محياه وهو يخطو جيئةً وذهاباً في منبر القاعة ويستطرد بطريقته المعهودة مُستشهداً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والروايات القديمة والأشعار وآراء النقّاد القدامى أمثال إبن قتيبة في « الشعر والشعراء » وابن رشيّق القيرواني في « العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده » .

تفرُده في لغة الضاد :

وإستناداً إلى ما تقدم ، لا غرو أن اعترف له أبرز علماء عصره برسوخه في علوم العربية وآدابها . وأُختير بمجمع الخالدين في قاهرة المعز ولم يتجاوز العقد الرابع حينها ، ولعمري إن هذا لأبلغُ شاهد على فرآدته في علوم الضاد وآدابها ، ويكفيه فخراً أن عميد الأدب العربي طه حسين شهد له بالتفرُد والتميُز على علماء عصره طراً في الشعر العربي ، حيث أورد في مؤلفه الموسوم بـ « في أدبنا المُعاصر » نصاً وحرفاً « لا أعرفُ مُعاصراً عربياً تعمق مثله في الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه .. » .
ويؤكد العديد من النقاد أن كتابة «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها» كان ولا يزال المنهل الرئيسى الذي يستقي منه الأدباء والنقاد معرفتهم بالشعر العربي وعروضه .

ريادته في تجديد الشعر العربي :

يرى نفر من النُقاد أن قصيدة عبد اللّه الطيب المعنوّنة بـ « ترنم » تُمثلُ توليداً ظهر فيه هذا الشاعر رآئداً في التجديد ونظم « الشعر المُرسل » . ويذهبُ لفيف من أهل الأدب إلى أنه إستبق رواد شعر التفعيلة في العالم العربي « بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ومحمود حسن إسماعيل » مُنذُ مطلع الأربعينيات بإبتدآعه ضروباً من النظم تعدت الأوزان المألوفة إلى أشياء إصطنعها إصطناعاً ، ثم بدا له أن هذا كُلهُ عبث لا يُفصحُ عن عوآطف النفس وكوامنها ، وإنما النفسُ هي إبنة بيئتها البيئة العربية الفصيحة ، فعاد مرةً أخرى إلى أصول الثقافة العربية والنظم على أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي .
ولعل لسان حاله يطرحه كما يقول الأديب الدبلوماسي عبد الهادي الصديق « رحمه الله » عبر بيت شعره القائل :

مالك والجزالة في زمان ٭٭ يُحبُ به من القول الهجين

موسوعيته في الدرآسات الإنسانية :

نبغ عبد اللّه الطيب في الدرآسات الإجتماعية والتاريخ الإسلامي ، وله مقالات وبحوث معروفة ظهرت مُنذُ مطلع الخمسينيات والستينيات الماضية في العديد من الدوريات العلمية والمجلات الثقافية منها :
« هنا أم درمان 1953م ، القافلة 1957م وصوت المرأة 1960م » . كما كان له باع طويل في أدب الأطفال وفي الدراسات الإسلامية .
ولعل أطروحته الجريئة عن هجرة أصحاب رسول الله « صلى الله عليه وسلم » للحبشة خير دليل على أسلوبه المُتفرد في كتابه التاريخ .
فلقد أبان في بحثه الموسوم بـ « هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ » أن هجرة الصحابة رضوان الله عليهم إنما كانت إلى السودان « بلاد الحبشة الأكسومية النيلية إلى البحر الأحمر » ، وليست إثيوبيا الحالية التي حيزت إلى ملك الحبشة بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي ، وأن أول ساحل نزله الصحابة هو ساحل سوآكن وأنها أول أرض دخلها الإسلام من ديار إفريقيا .
والمُلفتُ للإنتباه أن عبد اللّه الطيب إستخدم أسلوب التكامل المنهجي « تدآخُل المساقات » ، فلم تقتصر مرجعياته على الوثائق التاريخية وحدها ، بل تعدتها إلى المنهج الجغرافي .

آثاره العلمية وكيفية التعامُل معها :

لا ريب أن الحديث عن هذا العلاّمة ذو شجون ، فقد كان بحراً زاخراً بالجواهر واللآلئ ، فالرجل جمع بين المعرفة الموسوعية العامة والتميُز في التخصُص الدقيق « اللغة والأدب » . والرأى عندي أن هناك بحوثاً ودرآسات عديدة تنتظرُ الباحثين لإستخراج الكُنُوز الثمينة من هذا الأرخبيل الضخم ، فإذا كان هذا هو المُبتغى ، فيجب علينا « أدباء وكُتاب » إحياء ذكرى هذا العالم الكبير في المستقبل المنظور بصورة بعيدة عن النمطية والتقليدية « قراءآت عامة لأشعاره ، إجترار ذكريات وكتابة خوآطر عن سيرته العلمية والثقافية » وذلك بتشجيع الدآرسين على كتابة بحوث علمية مُحكمة وبمناهج علمية حديثة « اللسانية والبنيوية وغيرها » بهدف تسليط أضواء جديدة على الجوانب المُختلفة لهذا الموروث الأدبي الثر ، مع تقديم جوآئز تشجيعية للبحوث المتميزة .
ولا مشاحة أن معهد عبد اللّه الطيب بجامعة الخرطوم والذي يترأسه الأديب الدكتور الصديق عمر الصديق لهو خير جهة تضطلعُ بهذه المهمة الكبيرة .
وفي تقديري ألا تقتصر مثل هذه الدرآسات على الآثار العلمية والفكرية لعبد اللّه الطيب ، بل تتجاوزها لتشمل جوآنب حياته الإجتماعية وعلاقته بأهله وتلآميذه وأصدقائه بهدف فتح كوة لينسرب منها مزيد من الضوء على عبقريته الفذة التي جمعت موآهب عديدة ، وتميزت إلى جانب الصرآمة العلمية بالملح الذكية والطرائف الساخرة وهي عديدة ومتنوعة .
وتحضرُني هنا طُرفة كان يرويها الطلاب أيام دراستنا بجامعة الخرطوم ، حيثُ ذُكر أن أحد الطلاب قد رسب في إمتحان اللغة الإنجليزية ، وجاء إلى عبد الله الطيب عميد الكلية وقتذاك ، وقال له :
إن مسز شو Mrs. Shaw قد رسبتني في الإمتحان وأن أدائي يكفل لي النجاح ، فقال له البروف بالإنجليزية : Are you sure هل أنت متأكد ، فأجابه الطالب : Dead sure متأكد تماماً ، فرد عليه البروف ساخراً بالإنجليزية You are dead but not sure أنت هامد « رآسب » وليس متأكداً .
مجمل القول ، إن الرآحل المُقيم العلاّمة البروفيسور عبد اللّه الطيب كان المثل الأعلى الذي يرنو إليه الكثيرون في مضمار الفكر والثقافة . ولقد كان التتلمُذ عليه والإرتشاف من ينابيع علمه الدآفق سوآء في حلقات الدرس أو من خلال مؤلفاته الجياد هو المنهل الذي إستقى منه العديدون ، وكان خير مُعين لهم في مدآرج خطوآتهم العملية ، فقد جمع الرجل في ذآكرته معرفةً كاملةً ومتكاملة بالتُرآث السوداني ونظيره العربي الإسلامي ، فضلاً عن المنجز الغربي وأتسم أسلوبه بحيوية اللغة وجزآلتها ، وكتب بعربية قشيبة تتميز بالعذوبة والسلآسة بصورة لا يملكُ المرءُ فكاكاً سوى الإنجذاب إليها .
ألا رحم الله تعالى العلاّمة عبد اللّه الطيب وأنزل عليه شآبيب رحمته الوآسعة وجعل جنات الفردوس مثواه إنه سميع مُجيب الدعوات .


http://www.elaphblog.com/Blog/mosaabhilali/album/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%20%D 8%A7%D9%84%D8%B7%D9%8A%D8%A8.jpg





http://i3.makcdn.com/userFiles/a/n/anasudane/images/1220363365.gif

عمر الشيخ محمد حسن
21-06-12, 01:42 AM
http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRPVe93FJHTZlTxaCxT-7Tk3pxBxdZ3XZD0EYlPHyU3xPsRHtz5EIcxmOxE







الرآحل البروفيسور عبد الله الطيب المجذوب خريجاً

عمر الشيخ محمد حسن
24-06-12, 12:56 AM
طالب يذكر طرائف من مناقب شيخه العلامة عبد الله الطيب

أ. د . جعفر شيخ إدريس

هذه ذكريات عن شيخنا الرآحل الأستاذ عبد الله الطيب غفر الله له وأحسن مثواه ، أضيفها إلي ذكريات غيري من طلابه الكُثُر المحبين المعجبين عسى أن تكون كلها مادة يرجع إليها من يكتب سيرته وينشر بين الناس فضله. وهي ذكريات في أمور شتى لا تخلو من طرافة أرسلها بغير تكلف كأنها (ونسة) في أحد مجالسه العامرة . وغني عن القول بأنني إذا ما رويت عنه كلاماً فلا أذكُرُه بألفاظه نفسها كلها (أنى لي ذلك وقد طال العهد ؟) وإنما أذكُرُ فحواه وبعض ألفاظه .

أول ما يخطر بالبال تعليق الدكتور طه حسين على ديوآنه "أصداء النيل" ، ذلك الثناء العاطر من عميد الأدب العربي على ديوان شاب سوداني غير مشهور ثناء قرأه مئات الأدباء في العالم العربي وعجبوا له. أثنى الدكتور طه على الديوان لكنه أخذ على صاحبه إستعماله لبعض الكلمات الغريبة بل الحوشية ، لكن السودانيين ضحكوا كثيراً عندما رأوا قائمتها : كانت كلمات معروفة في العامية السودانية أذكر منها الآن كلمة الطخا بمعنى السحاب التي ينطقها أهلنا التخا على عادتهم في إستثقال الطاء في بعض الكلمات وتحويلها إلى تاء كقولهم "بتيخ" بدلاً عن بطيخ . كما قال ود الماحي في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (ضلتو _ يعني أظلته _ التخايي) .

لست أدري لماذا شاعت في عاميتنا أمثال هذه الكلمات التي كانت تُعدُ فعلاً من الألفاظ الحوشية حتي قال الشاعر :

إنما الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعلطبيس

لغة تنفر المســــامع منها حين تُروى وتشمئزُ النفوس

لكن لعل الذي أغرى شيخنا بإستعمال هذه الألفاظ أنه كان له إهتمام عجيب بالعامية السودانية ومعرفة مفردآتها وتراكيبها ، وكان يرى أن لغة القرى أثرى وأفصح من اللغة التي إعتادها أهل المدن وكان يضرب لذلك مثلاً بقول الناس في القرى "سمح .. وزين" وقولهم في المدن "كويس" لا يزيدون عليها . وقد ظهر إتقانه للعامية السودانية في تفسيره المشهور للقرآن الكريم الذي كان المواطنون في شتى أنحاء القطر يلتفون حول المذياع للإستمتاع بالسماع إليه .

أما العربية الفصيحة فقد كان إبن بجدتها ومالكُ ناصيتها لا تكادُ تخفى عن علمه مُفردةً من مُفرداتها ، ولا عن حفظه قصيدة ولا نظم من نظمها ، ولا عن إطلاعه أو درآسته كتاب مهم من كُتبها . حدثني الصديق الدكتور مالك بدري أن شيخنا ألقى محاضرةً في بيروت فأستشهد فيها بالعشرآت من أبيات الشعر من ذآكرته حتى إن أحد أساتذة اللغة بالجامعة الأمريكية ـ ( أظنه قال إنه الدكتور إحسان عباس) ـ قال مازحا : ما ذا نقول لطلابنا غداً ؟ هل نقول لهم إننا مثله أساتذة لغة عربية ؟ !!!

تحولت العربية الفصيحة عنده إلى ما يشبه السليقة فكان إذا حاضر بها في القاعة يتكلمها كلاماً لا تكُلف فيه حتى إنك لتظن أنه إنما كان يتكلم بالعامية إلى أن ترجع إلى ما كتبته عنه لتجده عربياً فصيحاً . وكان إذا ألقى القصيدة من الشعر العربي ـ حتى الجاهلي منه العصي الفهم ألقاها بطريقة يطربُ لها المستمعون ، وكان طُلاب الجامعة كثيراً ما يُعبرون عن إعجابهم بالتصفيق الشديد حين يستمعون إليه ينشدُ بعضها في المناسبات العامة .

درسنا عليه في السنة الثانية من كلية الآداب عدة قصائد من كتاب المفضليات ولا زلتُ أذكُرُ شرحه المُمتع لإحدى القصائد الصعبة التي أشار إليها الصديق الدكتور الحبر نور الدايم في مقاله الماتع عن شيخه الذي كانت صلته الأدبية به أوثق من صلتنا لما يجمعه وإياه من حب العربية وإتقانها وبرآعته في شعرها . تلك هي قصيدة المرار بن منقذ في وصف فرسه التيمن أبياتها :

ببعيده قــــــــدره ذي عــــــذر **** صلتان من بنات المنكــــــدر

سائل شــــــــمراخه ذي جبب **** سلك السنبك في رسغ عجر

قارح قد فـــــــــــر عنه جانب ****وربـــــاع جانب لم يتغــــــــر

فهو ورد اللون في ازبئراره ****وكميت اللــــــون ما لم يزبئر

شـــــندف أشدف ما ورعته **** فإذا طؤطئ طيــــار طمـــــــر

إستعنتُ على تذكُر مُفردآتها ــ من باب الطرفة ــ برسمة أسميتها حصان المرار . تشير الأسهم فيها إلى أوصاف الحصان بتلك الكلمات الواردة في القصيدة ، فكانت كأنها درس في علم الأحياء ، وكان بعض الأصدقاء يستعيرها للمُذاكرة . والغريب أن أستاذنا العلامة لم يكن يعرف معاني هذه الكلمات النادرة بالعربية فحسب ، بل كان يعرف ترجماتها الإنجليزية ، تلك اللغة التي كان مُتقناً لها مُطلعاً على آدابها والتي كانت له فيها نظرآت ومقارنات بينها وبين العربية . منها ملاحظته لكثرة ما في قصائد شكسبير من تشبيهات وتعبيرآت يقول إنها شديدةُ الشبه بما في الأدب العربي وأنه لا مثيل لها أصلاً في الأدب الإنجليزي . لم يكن شيخُنا بالطبع من مؤيدي نظرية شيخ الزبير التي تقول إنه الإسم الحقيقي لشكسبير .

كان شيخُنا علامة النحو العربي الذي لا يُشقُ له غُبار . كان مفتوناً بالكتاب لسيبويه يقرؤه كالورد اليومي كلما ختمه بدأه ، حتى رأيته يحمله معه ويقرؤهـ في المسجد الحرآم تبرُكاً به! أذكر أنه كان يقرأ في طبعة قديمة فقلت له هنالك طبعة جديدة بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون كنت قد إطلعتُ عليها لأمر يتعلق بالفلسفة ، لكنه أعرض عن كلامي وقال إنه يُفضلُ الطبعات القديمة ويرآها مُباركة ، وكان هذا ديدنه فعلاً مع كُل الكُتب العربية فكان لا يقرأ من تفسير الإمام الطبري مثلاً إلا طبعة بولآق ويراها مُباركةً .
شهد لبراعة شيخنا في فهم الكتاب لسيبويه عُلماء كُثُر من خارج السودان ، حدثني صديق سعودي هو الدكتور تركي العتيبي أستاذ علم النحو بجامعة الإمام فقال إن شيخنا جاءهم أستاذاً زائراً ، وقال :

كُنتُ أعملُ في رسالتي الماجستير عن أحد نحويي الكوفة المتقدمين ، ومن خلآل الدرآسة إعترضتني نصوص مشكلة في الكتاب لسيبويه رآجعتُها في الشروح فلم أظفر بطائل ... فلما جاء د. عبد الله الطيب رحمه الله تعالى .. عرضتُ عليه هذه النصوص فأفادني في بعضها إفادات رائعة دونتُها في نُسختي ، وعرضتُ قوله على شيخي عظيمة فاستحسنه وسُر به . وكان د . الطيب أقرأ المعاصرين لكتاب سيبويه .

وكما كان شيخنا مُحباً للعربية وعلومها كان أيضا مُحباً لأهلها من الأحياء والأموات . من ذلك أنه كان شديد الإعجاب بتلميذه صديقنا الدكتور جعفر ميرغني .. جاء ذكر جعفر في أحد إجتماعات مجلس الكلية لست أذكر الآن مناسبته ، فقال عنه شيخه إنه لولا التقيد باللوائح لعينته الآن محاضراً (وهو الذي يُسمى في إصطلاح الجامعات العربية أُستاذاً مُساعداً) ثم قال عنه كلمةً أحرجت بعض أساتذة اللغة العربية ، قال إنه الآن ـ وكان قد تخرج لتوه ـ أعلم من بعض الأساتذة!

وكان الأستاذ يضيق فعلا بشكليات اللوائح . كان هنالك عالم قراءات مصري نال إعجابه فعينه أستاذاً مُساعداً بالجامعة رغم أنه لم تكن له شهادة دكتوراة . قال لي إن كل كتاب من كُتُب هذا الرجل يساوي دكتوراة . وتعيين الدكتور عبد الله للرجل حل له مشكلة كبيرة ، فقد بدأت الجامعات الاخرى ـ حتى المصرية منها ـ تقبله أستاذاً بناءاً على أنه كان كذلك بجامعة الخرطوم حسب ما يقتضي الإتفاق بين الجامعات العربية . وحدثني ذات مرة أنه ذهب إلى مصر فوجد العلماء الحقيقيين هم الذين لا يحملون هذه الألقاب العلمية من دكتور وأستاذ وغيرها! وقد وجدت مثل هذا الموقف من الألقاب عند غير شيخنا من كثير من العلماء الراسخين في علومهم على إختلافها . فما الدكتوراة عندهم إلا شهادة كالشهادآت الإبتدائية أو الثانوية أو الجامعية ينالها المرء ثم يتخطاها فلا يفخر بها ولا على التسمي بها . إنما يفعلُ ذلك بعض الضُعفاء الذين يُحاولون التزيي بها _ حتى لو لم يكونوا قد نالوها حقيقة _ بإعتبارها حلية إجتماعية . وما مثلهم في ذلك إلا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "المُتشبع بما لم يعط ، كلابس ثوبي زور" (رواه البخاري) .

قرأت وأنا بالقاهرة سنة أربع وخمسين ميلادية مقالاً للأستاذ العقاد يردُ فيه على نقد إنتقده إياه شيخنا ، وكان رداً فيه بعض الحدة . لكنني سُررتُ عندما لمستُ من أستاذنا بعد سنين عدة أن ذلك لم يُفسدُ العلاقة بينهما ، بل عبر لي عن إعجابه الشديد بثقافة العقاد الموسوعية . قال إنهم إستمعوا في مجمع اللغة إلى مُحاضرةً لأحد المُختصين بعلم الجيولوجيا ذكر فيها عن بعض الصخور أنها تكون كذا وكذا من الألوان ، فسأله العقاد ( وحكي دكتور عبد الله صوته في إعجاب) ألا تكون كذا أيضا (وذكر لونا نسيته الآن) . فأجابه المُختص بأنها لا تكون كذلك . لكن العقاد جاء إلى جلسة المساء وهو يتأبط مرجعه الذي يُثبتُ صحة ما قال!

ولم تكن العربية عند علامتها الطيب مُجرد فن يتذوقه أو لسان يُعبرُ به ، بل كانت كالمرجع الذي يهتدي به في كثير من شؤون حياته . لعل صديقنا الدكتور إبراهيم الحادرلو يذكر كيف أنه أمتعنا في يوم قضيناه معه في تجوال في مدينة برايتون الانجليزية ، كيف أنه كان كُلما ذُكر زعيماً سودانياً أو أمراً سياسياً قال فيه رأياً ثم أتبعه مُستشهداً بما يعرف من شعر العرب ونثرها وأخبارها ، وكانت إستشهادات في غاية الطرآفة لولا الحياء لذكرتُ بعضها .

وكم كان يُحزنه زُهد الناس في العناية بالعربية ، وكان كثيراً ما يقول آسفاً إن بعض المثقفين عندنا يودون أن لو كان لسانهم إنجليزياً لا عربياً . وإنني لأذكُرُ هذا التعليق كُلما زُرتُ الخرطوم فوجدتُ إزدياداً – حتى في الأحياء الشعبية -- في نسبة اللافتات المكتوبة بالانجليزية أو المكتوبة كلماتها الأجنبية بحرروف عربية لا يفهمُ المواطنون منها شيئاً.

كان شيخنا معنياً في دراسته بالجودة لا الكثرة ، كان ينتقي من كل علم في غير إختصاصه كتاباً يقرؤه عُدة مرآت ويُجيد فهمهُ . من ذلك أنه كان يُكرر قرآءة كتاب "برتراند رسل" "في تاريخ الفلسفة الغربية" ، وكتاب "توينبي" المُسمى "درآسة للتاريخ" ، وهكذا ، وكان كثير القرآءة لتفسير الجلالين حتى إنه ليكاد يحفظه.. وقد وجدتُ هذا أيضاً منهج شيخنا الشيخ عبد العزير بن باز علامة عصرنا في علوم الشرع . قال لي تلاميذه إنه قرأ صحيح مسلم بشرح النووي ستين مرة! وأنه قرأ البداية والنهاية ست مرات ، وهكذا . وحسبُك بمرة من مرآت ابن باز ؛ إنها تساوي مرآراً من مرآت غيره .

كان يعرف عن نفسه أن العربية طبعه حتى قال لي ذات يوم ونحنُ نتكلم عن الفلسفة إنه درس بعض مقررآتها أثناء عهد الطلب ببريطانيا ، وأنه جودها لدرجة أن الأستاذ إقترح عليه أن يختص بها .
قال : لكنني قلت لنفسي الطبع ولا التطبع .

وعلى ذكر الفلسفة ، دخل علي الأستاذ ذات يوم في مكتبي وهو عميد لكلية الآداب ليسألني :
أليس لك الآن مُحاضرةً في القاعة الفلانية ؟ إستنكرت أن يأتي عميد الكلية ليُحاسبني في مكتبي على عدم الذهاب لمحاضرة ، فما هكذا يُعامل الأساتذة بجامعة الخرطوم ، قلت ـ ولا بد أنه رأى آثار الإنكار على وجهي "بلى ولكنني نسيتُ بسبب إنشغالي بهذا البحث" فأبتسم وقال "الآن صرت أستاذاً" فانطلقت أسارير وجهي وإبتسمت وقلت " لماذا؟" قال لأن الأستاذ الحق هو الذي تشغله بحوثه عن أموره الأخرى". ثم شرح لي أنه إنما جاء ليستشيرني في مسألة فلسفية أشكلت عليه هو طلابه . كان هذا من توآضُعه الجم الذي لم يكن يتكلفه أبداً. وكان من توآضُعه وكرمه أنه كثيراً ما يدعو طُلابه إلى منزله ثم يطلبُ من الشعراء منهم أن يُباروه قي تأليف قصيدة في موضوع يختاره . أذكرُ أن هذا حدث مع الصديقين عمر عباس عجبنا زعيم الطلاب وخطيبهم المفوه أكرم الله نزله ، والدكتور ناصر السيد شاعرهم المطبوع أطال الله عمره في طاعته .

وإذا كان مثل غفلتي تلك عن المحاضرة من السمات اللازمة للأستاذية فقد كان هو صاحبها الذي لا يُبارى . كان يقطع التذكرة من تذاكر قطار لندن التحت الأرض ليذهب إلى إحدى المحطات فيغفل عن النزول بها ويتجاوزها بمحاط كثيرة لإنشغاله بشيء يقرؤه أو يفكر فيه . دخلتُ عليه في مكتبه ذآت يوم وكان قد فرغ لتوه من إجتماع مع رؤساء الأقسام فيما أظن ، فوجدتهم جميعاً يضحكون ، فلما سألت أخبرني أحدهم بأنه حدث بين العميد وأحد الأعضاء خلاف وأن العميد غضب وأنتهر العضو قائلاً "ياجرزلدا ..." فانفجر الناس ضاحكين وضحك هو وأنتهت المشكلة بفضل ذكر اسم الزوجة الحبيبة!

زلت منه مرة كلمة عن محمود محمد طه حاسبه عليها بعض إخواننا حساباً عسيراً، لكنني أشهد أن الرجل لم يكن محباً لمحمود ، ولم يكن من أنصاره ، لكنه قال ما قال بسبب السياسة التي لم يكن ذا باع فيها .
قال لي ذات مرة إنه لا يحبُ محموداً لأنه لا يحبُ الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان يقول لنا تشجيعاً على نقدنا لمحمود أنتم وحدكم الذين تستطيعون نقده ، ويعنى بأنتم نحن أصحاب التوجه السني . قلت لماذا ؟ !!! قال : لأن هؤلاء الشيوخ الذين يُهاجمهم ينسبون إلى بعض شيوخ الصوفية ما يدعي محمود لنفسه ، فهم لا ينكُرون أن يصل الإنسان مثلاً وصولاً يرفعُ عنه أحكام العبادآت والحلآل والحرآم ، لكنهم ينكرون أن يكون محمود قد وصل إلى هذه الدرجة .

وعلى ذكر محمود ، دخلتُ عليه ذآت يوم في مكتبه فحكى لي قصةً طريفة ، قال :
إنه كان معه قبل قليل أحد القساوسة (ذكر لي بلده الأوربي لكنني نسيته) وأنه أخبره أنه جاء ليتشرف بزيارته ويتحدث إليه . قال الدكتور عبد الله فقلت له لست أنا الذي تُريد ، إنك تُريدُ رجلاً آخر إسمه محمود محمد طه وعرفته من هو . قال : فأعترف بأن محموداً كان طُلبته لا عبد الله الطيب . قلت لشيخنا : لكن كيف عرفت أنه إنما يريدُ محموداً ولا يُريدُك أنت ؟ !! قال : ماذا يبتغي قس أوربي عند رجل همه اللغة العربية وهم لا يُحبونها ولا أهلها ؛ إنه يُريدُ هذا الذي يقول ما يُرضيهم . وتصديقاً لكلام شيخنا إلتقيتُ أنا في الرياض بقس كبير من علمائهم كنتُ قد قرأتُ بعض أجزاء من كتاب له عن وجود الخالق مُترجماً إلى الإنجليزية ، سُر لما أخبرته بذلك ، فلما عرف أنني سوداني كان أول ما سألني عن محمود محمد طه ، فأجبته بكلمة صعق لها . قلت : هذا ليس مُسلماً ! .

كان مما أعجب له في شيخنا أنه مع معرفته الوآسعة بالعربية وعلومها والتفسير والتاريخ إلا أنه كان في باب الفقه مالكياً مُقلداً تقليد العوآم ، بل كانت حججه لتسويغ هذا التقليد هي حجج العوام . لكنني عرفتُ السر في ذلك بكلآم قاله لي هو عن نفسه في إحدى زياراته للرياض . كان يقرأ في كتاب المُسند للإمام أحمد فاعترف بأنه كان مُقصراً في إهتمامه بعلم الحديث ، وأنه بدأ الآن يتدارك ذلك، فسُررتُ لذلك أيما سرور .

لقد كان شيخنا فخر السودانيين يعتز به شبابهم ويحتفلون به ويكرمونه حيثما حل في بلد يسكنونه . رأيناهم يُكرمونه في المُدن البريطانية ، والأمريكية ، والبلاد العربية وسمعنا عن تكريمهم له في غيرها .
هذا بعض ما جادت به عن شيخه ذاكرة طالب تجاوز السبعين ، أرجو ممن يطلع عليها ممن يعرف ما لا أعرف عن بعض ما ذكرت أن لا يتردد في تصويبها . فمعاذ الله أن نظن بأنفسنا عدم الخطأ أو أن نستنكفُ عن التصويب . تلك جوآنب من حسنات الفقيد غفر الله لنا وله ذنوبنا وتقصيرنا وإساءتنا، ورحمنا وإياه رحمة واسعة ، وجزآه الله خيراً كثيراً على إهتمامه بلُغة الكتاب العزير والرسول الكريم وعمله على نشرها والإنتصار لها .

المصدر : http://www.jaafaridris.com/Arabic/aarticles/eltayeb.htm

عمر الشيخ محمد حسن
25-06-12, 02:13 AM
بروفيسور عبد الله الطيب يا لذآك المترجم الخلاق ..


http://209.62.60.162/images_upload/1332760251.jpg



بقلم : عبد الجبار عبد الله


ملآعب جُنة لو سار فيها ...

كان الفصل خريفاً مطيراً وكان الدُعاش الأخير من نسمات إنتفاضة مارس أبريل وكان صوت وردي وعبق النشيد :

نلتقيك اليوم يا وطني لقــــــــــاء الأوفياء
قد تنادينا خفافاً كخـــــــــــــــــــيول الريح
في جــــــــــــــــــوف العتامير ... تداعينا
لك يا أرض البطولات وميلآد الحضارات

ويا .... إلى آخر "عرس الفداء" الجميل . وقتها جاءتني طالبة من بنات الأحفاد ، تستعين بي على فك رموز كتاب كان ضمن المقرر الذي تدرُسه في الجامعة . وسريعاً ما عرفت أنها قريبة لزميلتي وصديقتي المُبدعة آمال النور ، ولعلها هي التي رشحتني لها لتلك المهمة . المهم أن الكتاب المشكلة كان يحمل عنوان The Heroes of Arabia لا أذكر الآن وهو بعيد عني متى و من أين صدر ؟ غير أن الذي شدني إليه هو أن من اضطلع بترجمته هو الدكتور عبد الله الطيب شخصيا . كان الكتاب نثراً وقد وزع على عدة فصول . إستلطفته جداً لأنه كان رحلة كتبت بلغة إنجليزية سلسة طليقة في صحراء الجزيرة العربية وتطوافاً بين نجادها وفلواتها وقبائلها وأشعارها وفرسانها .
وكان كل فصل فيه قد خصص لتناول سيرة أحد صعاليك العرب : تأبط شرا , عروة بن الورد وغيرهما. ومن شدة حرصي عليه وإعجابي به فقد أودعت نسخة منه في مكتبتي الخاصة ، وسأجعل منه مادة لدراسة لآحقة عن فن وعلم الترجمة . شكراً لك حنان – كان ذاك اسمها - لكونك نبهتني لأول مرة إلى وجه المترجم الذي لم أره من قبل في أستاذنا وعالمنا الكبير عبد الله الطيب .
ثم كان التعرف الكامل والحقيقي على هذا الوجه أيام كنت طالباً على مقاعد الدرس لنيل درجة الماجستير من وحدة الترجمة والتعريب – كلية الآداب جامعة الخرطوم .
كان يأتي مُنهكاً ومُثقلاً بالهموم والأعباء ما بين مجمع اللغة العربية وبحوث طُلآب الماجستير والدكتوراه ومحاضرات أقسام كلية الآداب التي كانت تتقاذفه وتتناوشه هنا وهناك . وكانت فوق ذلك هموم الكتابة والمشاركة في السمنارات والمنتديات والنشاط الثقافي والأدبي العام خارج الجامعة . وكان يأتينا برأس مُثقل بالمعرفة تسنده وتؤازره حقيبة جلدية ضخمة تغُصُ بالكتب والمراجع ينوء بحملها وهو في تلك السن المتقدمة من العمر . لا زلتُ أذكُرُ لونها وشكلها وتصميمها وأراها أمامي وأراه .
كان ينتقي لنا منها أمهات الكتب والمراجع وعصارة نصوص الأدب الرصين وخلاصتها . عرف معظمنا الأستاذ من أبلغ وأفصح من تحدث العربية وصرفها ونحوها وتاريخها وآدابها ، الحديث منها والقديم . ولكن قلة هم من عرفوا عنه فصاحة وطلاقة لسانه في عدة لغات أخرى غير الإنجليزية التي كان يدهش بها مستمعيه إدهاشهم بدرر وعقود عربيته اللألاءة النضيدة. كان لغوياً Linguist)) بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للكلمة , أي العارف بنظام اللغة وأصولها وتاريخ تطورها ودراستها المقارنة مع اللغات الأخرى .
كل هذا رأيته فيه رؤية العين وعرفته عن كثب وهو يجلس أمامنا ويدرسنا نصاً واحداً أو نصين في محاضرة كان زمنها ثلاث ساعات فحسب . لنفترض أن النص كان عن شخصية كليوباترا مثلاً – وقد كان أحدها بالفعل - ولكنك أعلم أنك لن تُترجم ذلك النص وتكتفي به وتُغادر قاعة الدرس بما ترجمت . كان هكذا لسان حاله يقول تلميحاً وإيحاءاً. بل كانت مادة الترجمة الواحدة عنده فضاءاً رحباً ووآسعاً من المعرفة ، وعودة بالنصوص إلى ينابيعها وجذورها وتوفراً على أدبيات النص Text Literature وخلفيته الثقافية والتاريخية . كان خير من يكسو عظم النص العاري بلحم المعرفة وخلاياها النابضة الحية . كانت ترجمة نص عن شخصية كليوباترا تعني سياحةً ممتعةً عنده في تاريخ مصر القديمة وعلاقة ملكتها بالإمبراطورية الرومانية ، وصعود هذه الأخيرة وأفول مجدها ، وعن تاريخ الدسائس والنزاعات ونوازع البشر وأطماعهم وشهواتهم ، وعن دور الحب والنساء والجمال في كل ذلك .
كان أستاذنا راسخ المعرفة والقدمين في فن الترجمة وعلومها النظرية والتطبيقية ، شأنه في ذلك شأن كبار اللغويين من أمثال رومان جاكوبسون وكاتفورد وتشوكوفسكي وبيتر نيومارك وغيرهم . كان يعلم حق العلم أن نقل أصل ما من لغة إلى لغة أخرى هو ليس عملية ميكانيكية سطحية جوفاء ، وأن الترجمة هي في الأساس عمل إبداعي خلاق بالغ التعقيد والخصوصية والعُمق ، سيما حين يكون الأدب موضوعاً ومادةً لها .
تعلمنا منه قيمة الإبداع والثقافة والموهبة وهي قيمة سابقة عنده لشرط إمتلاك المُترجم لناصية لغتي الترجمة والأصل . كان مبدعاً عميقاً ، وكان يعرفُ كيف يُمسكُ رياح النصوص الجامحة العصية على الترجمة من قرونها العشرة ويُخضعُها لسلطانه .
وبعد أن نفرغ من تحليل النص وفك رموزه ومستوياته اللغوية و الدلالية والجمالية والأسلوبية كنا نبدأ بترجمته جملةً فجملة وفقرةً ففقرة حتى نأتي عليه كُله ... وفي كُل جُملة كان يسمع عدة تراجم ، وحين يُعلقُ قدحاً أو استحساناً ، كان يستعيدُ مُعظمها من ذاكرته الفوتوغرافية الأسطورية الفذة ، وهي ذاكرة لا تتأتى إلا لكبار اللغويين والعلماء من أمثاله . ثم إنقضى العام الأخير من الدراسة وجاءت الإمتحانات وجاءنا الأستاذ بنصين أحدهما ترجمة من الإنجليزية إلى العربية والآخر من العربية إلى الإنجليزية .
الأخير هو الأهم والأكثرُ رسوخاً في ذآكرتي لكونه الأوضح تعبيراً عن عُمق معرفة الأستاذ بمعنى إختبار المهارات التقنية للمُترجم وإلمامه بطرآئق الترجمة وأنواعها وأساليبها ... لا يزآلُ النص حاضراً في ذهني وكأني قرأته بالأمس . كان يتحدث فيه أمير من أمراء دولة الفونج مُخاطباً الغازي الغشيم في الأيام الختامية الأخيرة التي سبقت إضمحلال المملكة وزوالها .
سألتُ نفسي قائلاً بعد فراغي من القراءة :
ولماذا هذا النص بالذات ؟ !! وأجابني حدسي أن موضوع الإمتحان هو الأسلوب والبعد التاريخي للغة النص . وكان ذلك مدخلي وبوصلتي التي أعانتني على ترجمته إلى لغة إنجليزية عتيقة يفوحُ منها عبق التاريخ وأصداء أشعار تشوسر وشكسبير ونصوص "]"DarkGreen[/SIZE]"]لغة القرآن الكريم المترجمة معانيها إلى اللغة الإنجليزية . وكنتُ قلقاً على النتيجة والتقييم ، غير أن الحصاد جاء وافراً ومُثمراً وكان حدسي في الأستاذ ومادة الامتحان سليماً وفي أكثر من محله .
أما المحطة الثالثة لي مع هذا الوجه المترجم لعالمنا الجليل ، فقد توزعت ما بين رغبة في إجرآء بحث في الأدب المُقارن لنيل درجة الدكتوراه عن " رباعيات الخيام " تحت إشراف الأستاذ ، وما بين تدريسي لمادة الترجمة الأدبية . فمن بين ما كنتُ أنتقيه للطلاب مادة إنجليزية ترجمها الدكتور عبد الله الطيب وزميله مايكل ويست صاحب القاموس الشهير الذي كنا نتبارى في حفظه ونحن طلاب في الثانويات . كنت أرغب في معرفة مدى قدرة الطلاب على إستعادة وفك الشفرة الثقافية لتلك النصوص . ولم تكن هذه سوى ترجمة "[/SIZE]]"DarkGreen[/SIZE]"]للأحاجي السودانية التي جمعها ونشرها البروفيسور عبد الله الطيب من بعد . ترجمت النصوص الأخيرة هذه في الخمسيينيات او الأربعينيات على الأقل ولعله ترجمها أيام كان طالبا للدكتوراه في جامعة لندن . ومن حسن الحظ أني ما زلت أحتفظ بنسخة منها في مكتبتي الشخصية وأعلم أن من الواجب إخراجها وجعلها ملكاً عاماً للناس ولمحبي أدبه وتراثه الثر .
حزنت على أستاذي وبكيته مرتين ... يوم أن إنعقد لسانه البليغ الفصيح وصام عن الكلام ، ويوم أن حلت على رؤوسنا جميعاً صاعقة خبر رحيله الصامت الحزين ... كم يكون وقع الفاجعة يا ترى عند أهله ورفيقة عمره ودربه الفنانة السيدة جريزيلدا الطيب ؟! [/SIZE]

المصدر : سودآنايل الإلكترونية / http://www.sudanile.com/2009-09-03-11-03-40/259-2009-09-14-10-17-38/5709-2009-09-15-09-24-19.html

عمر الشيخ محمد حسن
25-06-12, 11:18 PM
عبد الله الطيب : صورة المثقف الأصيل

بقلم : د . النور حمـــــد / سودآنايل الإلكترونية


تغشت قبر البروفسير الرآحل عبدالله الطيب سحائب الرحمة الهتون . ولكل رجل ، وكل إمرأة ، من آل الشيخ المجذوب ، نقول ما قاله الشاعر ، وهو يعزي عبد الله بن عباس ، في وفاة والده العباس بن عبد المطلب :

إصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية بعد صـبر الرأس

خير من العبـاس أجـــــــــــرك بعـده والله خيـر منك للعبـاس


لقد مضى البروفبسير عبد الله الطيب للقاء رب رحيم . ويقيننا الذي لا يتطرق إليه الشك ، أن الرجل قد ذهب إلى لقاء ربه، بصالح الأعمال. وهو قبل هذا وذاك ، ممن أتوا ربهم ، بقلب سليم . قال تعالى : (يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم) . ومثل عبد الله الطيب لا يذرف عليه الدمع ، فهو قد عاش حياة خصبة ، عريضة ، مثمرة ، خلاقة .
فهو المُربي الذي تخرج على آيادية الآلاف من أبناء ، وبنات السودانيين ، بدءاً بمعهد التربية ببخت الرضا ، وانتهاءً بجامعة الخرطوم وغيرها من الجامعات داخل وخارج السودان . ثم هو إلى جانب ذلك ، العالم اللغوي الضليع الذي رفد المكتبة العربية بروافد ثرة في ضروب علوم اللغة وآدابها ، وهو إلى جانب كل أولئك ، المفسر للقرآن ، الذي نزل من أبراج المثقفين العاجية ، ليلامس قلوب وعقول الأميين من أهل القرى الذين كانوا يتحلقون بشغف حول المذياع ليستمعوا له وهو يفسر ما كان يقرأه الشيخ صديق أحمد حمدون من آيات القرآن الكريم .

لقد كان عليه الرحمة، عالماً جليلاً ذا عقل فسيح ، وقلب كبير، وشخصية فريدة . فشخصيته كانت كثيرة التنوع ، شديدة التميز، قوية الجاذبية . ويقيني الذي لا يتطرق إليه الشك ، أن الرجل ولي من أولياء الله ، شأنه شأن كل أسلافه الصالحين ، بل إن البروفيسر عبد الله الطيب ليمثل في نظري ، تتويجاً لكل تدين أسلافه وعلومهم في قمة جديدة ما سبق أن اتفقت لتلك السُلالة الصالحة .

أتقن البروفيسر عبد الله الطيب علوم الدين واللغة العربية والتاريخ الإسلامي . وبمثل ذلك القدر أتقن معرفة الحضارة الغربية وآدابها . فهو الذي يُحدثك عن كيتس ، وييتس ، وإليوت ، بنفس الدفق والفخامة التي يُحدثك بها عن المعري وأبي تمام وأبي الطيب المتنبي وأبي نواس . وبهذا المعنى فعبد الله الطيب ليس أديباً وحسب ، وإنما هو مُفكر عربي مسلم من الطراز الأول . لقد عرف الحضارة الغربية معرفةً كبيرة ، وقد أفاد منها إفادةً كبيرةً أيضاً . غير أن معرفته بالثقافة الغربية خصبت رؤيته لتُراثه وعمقت إيمانه بالجوانب الإيجابية فيه . فهو واحد ممن لم تجرفهم فكرة الحداثة ، المُتجذرة في الفكرة العلمانية الغربية . وفي نفس الوقت لم تحبسه معرفته بالتُراث ، في قماقم التراث والجمود والسقف العقلي المرسوم سلفاً . لقد كان وسطياً وسطية الحبر المُدرك ، لدقائق الأمور ، القادر على تشريح مكامن الإلتباسات . وبهذا فقد برء تمام البُرء من وسطية التوفيقيين التعسفيين الضحلة .

البروفيسر الراحل كان من أوائل السودانيين الذين تزوجوا من غربيات، وهو على رأس السودانيين الذين صمدت زيجاتهم لعوادي الزمن ولعوائق تبايُن النسق العقلي والإرث الثقافي ، وفي هذه وحدها دلالةً كبيرةً على رحابة العقل ، وكريم الخُلق ، وسعة القلب ، وسلاسة المسلك ، وطيب العشرة .
لقد كان البروفيسر الراحل تجسيداً فريداً للمزج الواعي بين قيم التُراث ، وقيم الحضارة الحديثة . وهو بهذا المعنى واحد من الطلآئع الذين ركزوا أقدامهم على أرض ميعاد التوآصُل الإنساني الفسيحة المُمتدة وراء تضاريس حوآجز اللون ، والعرق ، والتبايُن الثقافي .

وحين نقفُ في لحظة انتقاله ، إنما نقفُ للعبرة وللذكرة ، فالرجل وآحد من سلفنا الصالح .
ولقد سمعتُ الأستاذ محمود محمد طه ، يقول ذات مرة ، إن معاوية محمد نور ، والتجاني يوسف بشير ، هم سلفنا الصالح . وقد وجه الأستاذ محمود وقتها، الجمهوريين ، بكتابة كتاب عنهما . وأرجو أن يحقق الجمهوريون رغبة الأستاذ محمود تلك في يوم قريب .
ولا شك عندي أن عبد الله الطيب ، قد أصبح بإنتقاله واحداً من هؤلاء السلف الصالح . والذي فهمته ، من حديث الأستاذ محمود ، أن هؤلاء قد مثلوا أكثر من غيرهم صورة المُثقف الأصيل وهو المثقف الذي يصبحُ قولاً وفعلاً ضميراً لأُمته .

لقد أجمع السودانيون على إحترآم ثلاثةً من مُثقفينا ، وهم البروفيسر عبد الله الطيب ، والدكتور منصور خالد ، والروائي الكبير الطيب صالح . لقد كان كلاً من البروفيسر عبد الله الطيب ، والدكتور منصور خالد ، الأجهرُ صوتاً ، في إدانة إغتيال الأستاذ محمود محمد طه . وأنا شخصياً أميلُ إلى التعرُف على قامة المُثقف بناءاً على موقفه من تلك الحادثة الظلامية البشعة ، فبمقدار الصدع بالرأي في شأن تلك الحادثة ، تعلو عندي قامة المُثقف ، وبمقدار إستحيائه، وازوراره ، تقصُرُ عندي قامتُه . لقد كان الدكتور منصور خالد أول من صدع بالإدانة عبر صحيفة القبس الكويتية . وليس ذلك بغريب على الدكتور منصور خالد . ثم تلاه البروفيسر عبد الله الطيب ، بقصيدته المعروفة :

قد شجانى مصابه محمود مارق قيل وهو عندى شـهـيد

ولقد عبر الروائي، الطيب صالح فيما بلغنا عن ندمه على السكوت عقب إغتيال الأستاذ محمود ، وهذا موقف طيب ، يدلُ على يقظة في الضمير الثقافي لدى صاحبه . الشاهد أن هؤلاء النفر يُعيدون رسم صورة المُثقف الأصيل وهي صورة نحن بحاجة إلى إعادة رسمها كل حين .
ولعل إعادة رسم هذه الصورة بجلاء تكونُ أوجب وآجبات وقتنا الرآهن . وإنه لمن حُسن عناية الله بأمتنا أن يكون كبار كُتابنا ومفكرينا أُصلاء يعرفون مسؤولية الثقافة ، ويُمارسون إستقلالاً عن مؤسسات تدجين الوعي والأخلاق ، وإخضاعهما لسلطة الراكد والراهن .
الشاهد أن البروفيسر عبد الله الطيب ، لم يُجامل محبيه ، ومعجبيه الكثيرين من قبائل السلف ، ممن كانوا يظُنون فيه رصيداً جاهزاً لهم . لقد فاجأهم بقصيدته المُبينة ، فى شأن إغتيال الأستاذ محمود محمد طه ، وقد لامه بعض السلفيين على ذلك .
دلل البروفيسر عبد الله الطيب في استنكاره لإعدآم الأستاذ محمود محمد طه ، عن معدن المُثقف الأصيل الكامن في أعماق ذاته . كما دلل على وضوح رؤيته الدينية ، وسعتها ، وإنسانيتها ، وصفائها . هذا هو شموخ المثقف ، وهذه هي أخلآق المُثقف الأصيل ، التي بها يجتاز إمتحانات الإبتزآز ، والإرهاب، والتدليس باسم الدين .

ألا رحم الله البروفيسر عبد الله الطيب بقدر ما قدم لأمته ، فقد كان إنساناً فريداً ، ورآهباً قائماً آناء الليل وأطراف النهار في محاريب المعرفة ، لم يعرف جسده الكلآل ، ولم تهمد لذهنه المتوقد جذوة .
اللهم انزله منك منازل القُرب وبلغه عالي الدرجات والمقامات إنك سميع قريب مجيب .

المصدر : صحيفة سودآنايل الإلكترونية
http://www.sudanile.com/2009-09-03-11-03-40/259-2009-09-14-10-17-38/5670-2009-09-14-10-22-58.html

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 12:00 AM
http://www.youtube.com/watch?v=c3-4VU_Ku48&feature=relmfu

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 12:04 AM
http://www.youtube.com/watch?v=lupeqm6JQGU&feature=relmfu

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 12:08 AM
http://www.youtube.com/watch?v=yfEqqKBw948&feature=relmfu

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 12:11 AM
http://www.youtube.com/watch?v=EREWV3UtqNQ&feature=relmfu

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 12:13 AM
http://www.youtube.com/watch?v=NDun2Oi2SGw&feature=relmfu

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 12:17 AM
http://www.youtube.com/watch?v=wqXHNYx4AAU&feature=related

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 02:00 AM
http://www.youtube.com/watch?v=cxiaiPYPzO8&feature=related

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 12:06 PM
http://www.youtube.com/watch?v=4YtzjH9Xszg

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 12:10 PM
http://www.youtube.com/watch?v=1ESQUN4FsY8&feature=related

ود حمرى
27-06-12, 01:04 PM
التحية ليك والله .. الاستاذ عمر وانت تتحفنا بهذه الروائع عن
المرحوم العلامة عبد الله الطيب ..

عمر الشيخ محمد حسن
27-06-12, 02:47 PM
التحية ليك والله .. الاستاذ عمر وانت تتحفنا بهذه الروائع عن
المرحوم العلامة عبد الله الطيب ..




وأنتم لكم منى أجمل وأعطر تحية وتقدير على مروركم الكريم حبيبنا أبو القاسم وتسلم ياغالى .

عمر الشيخ محمد حسن
28-06-12, 09:54 PM
http://www.youtube.com/watch?v=Q41lT5mPw7Q&feature=related

عمر الشيخ محمد حسن
28-06-12, 10:02 PM
وفاء أرملة الرآحل البروفيسور عبد الله الطيب السيدة قيزيليا الطيب


http://www.youtube.com/watch?v=Rx18_PuH8vs&feature=related

عمر الشيخ محمد حسن
28-06-12, 10:05 PM
http://www.youtube.com/watch?v=zgl5Gbtl_IY&feature=related

عمر الشيخ محمد حسن
28-06-12, 10:21 PM
http://www.youtube.com/watch?v=NAXcHJ9muGY&feature=relmfu

عمر الشيخ محمد حسن
28-06-12, 10:23 PM
قريزيلدا الطيب زوجة البروفسير عبدالله الطيب (رحمه الله) إمرأة (سودانية من أصل إنجليزي) . أحبت السودان بعد أن عاشت معظم حياتها مع زوجها فيه , وهي تكن كل الوفاء لموطن زوجها رغم انقطاع العلاقة اللصيقة بالسودان . لكنها تعيش في السودان وطنها الحقيقي و بلد ذكرياتها .




http://www.youtube.com/watch?v=t-QhaP9Di3E&feature=related

عمر الشيخ محمد حسن
30-06-12, 08:26 PM
بروفيسور عبد الله الطيب يلقى محاضرةً فى الدوحة / قطر بعنوآن :
محنة المُثقفين العرب (1)



http://www.youtube.com/watch?v=1yKukMuC7WQ&feature=relmfu

عمر الشيخ محمد حسن
30-06-12, 09:11 PM
بروفيسور عبد الله الطيب يلقى محاضرةً فى الدوحة / قطر بعنوآن :
محنة المُثقفين العرب (2)


http://www.youtube.com/watch?v=YcnqE6GzUGE&feature=relmfu